مرتضى الزبيدي

111

تاج العروس

والإِقْرَارُ بالعُبوديَّة ، والخُشُوعُ ، هذا عن مجاهد . وقد يقال : إِنَّ السُّكوتَ والإِمساكَ عن الكلام واحدٌ ، وإِنّ الخُشوعَ داخلٌ في التواضع ، وإِدامةَ الحَجِّ وإِطَالةَ الغَزْو داخلان في عُمُوم دَوَام الطَّاعَة ؛ فَإِنَّهُمَا من أَعْظَم الطَّاعَة . وقَالَ الرَّاغبُ : القُنُوتُ : لُزُومُ الطَّاعَةِ مع الخُضوع ، فَيُمْكن أَن يُجْعَلَ لزومُ الطَّاعَة أَيضاً من جُملة مَعَانيه ، فيقَال : الطَّاعَةُ ولزومُهَا ، كما قالوا : القيامُ وطُولُه . قال شيخُنا : وقد أَوسَعَ الكلامَ عَلَيْه القاضي أَبُو بَكْر بنِ العَرَبِيّ في العَارِضَةِ وغيرِه من مُصَنَّفَاتِه ، وقال : إِنَّ القَنوتَ له عَشرةُ مَعانٍ ، ونقلَه الإِمَامُ الحافظُ الزَّيْنُ العِرَاقِيُّ ، وزادَ عليه ، ونَظَم المَعَانِيَ كلَّها في ثلاثةِ أَبياتٍ ، ونَقَلَهَا الحَافِظُ شِهابُ الدينِ أَحمدُ بنُ حَجَر العَسْقَلانِيّ في أَواخِرِ بابِ الوِتْرِ من فَتْحِ البَارِي وهي : ولفْظ القُنُوتِ أعْدُدْ مَعَانِيَهُ تَجِدْ * مَزِيداً على عَشْرٍ معانِيَ مَرْضِيَّهْ دُعَاءٌ خُشُوعٌ والعبادَةُ طاعَةٌ * إِقَامَتُهَا إِقرارُه بالعُبُودِيَّهْ سُكُوتٌ صلاةٌ والقِيَامُ وطُولُهُ * كذاك دَوَامُ الطَّاعَةِ الرّابِحُ النِّيَّهْ ( 1 ) قلت : وقد أَلْحَق شيخُنا المرحومُ بيتاً رابعاً جامعاً لما زادَه المجدُ . دَوَامٌ لِحَجٍّ ، طُولُ غَزْوٍ ، تَوَاضُعٌ * إِلى اللهِ خُذْهَا سِتَّةً وثَمانِيَهْ قال ابنُ سِيده : وجمع القَانِتِ من ذلك كله قُنَّتٌ ، قال العَجَّاجُ : * رَبُّ البِلادِ والعِبَادِ القُنَّتِ * وامْرَأَةٌ قَنِيتٌ بَيِّنَةُ القَنَاتَةِ : قَلِيلَةُ الطَّعْمِ " ( 2 ) ، كَقَتِينٍ ، نقله الصاغانيّ . " وسِقَاءٌ قَنِيتٌ " أَي " مسِّيكٌ " ، على وزن سِكِّيتٍ ، كما في نسختنا ، أَي يُمْسِك الماءَ ، وهو الصوابُ ، وسيأْتي في الكاف ، ويُوجَدُ في بعض النسخ : " مُسِيلٌ " على صيغة اسم الفاعلِ ، من أَسالَ الماءَ ، وهكذا رأَيته أَيضاً مَضْبُوطاً في نسخة التَّكْمِلَة ، فليُنْظَر . * ومما يُستدرك عليه أَيضاً : قَنَتَ له ، إِذا ذَلَّ . وَقَنَّتَتِ الْمَرْأَةُ لبَعْلِها أَقَرَّتْ ( 3 ) . والاقْتِنَاتُ : الانْقِيادُ . [ قنعت ] : رَجُلٌ قِنْعَاتٌ ، بالكَسْرِ " ، أَهمله الجوهَرِيّ والصاغانيّ ، وقال صاحبُ اللسان : أَي " كثيرُ شَعَرِ الوَجْهِ " والجَسَدِ . [ قوت ] : القُوتُ " ، بالضَّم : ما يُمْسِكُ الرَّمَقَ من الرِّزْق . وفي المحكم : القُوتُ " والقِيتُ والقِيتَةُ بكَسْرِهِما ، والقَائِتُ ، والقُواتُ " بالضّمّ ، وهذا عن اللِّحْيَانِيّ ، قال ابنُ سِيدَه : ولم يُفَسِّرْه ، وعندي أَنهُ من القُوتِ ، وهو : " المُسْكَةُ من الرِّزْقِ " . وفي الصّحاح : هو ما يَقُومُ بِهِ بَدَنُ الإِنْسانِ من الطَّعَامِ . وجمعُ القُوتِ أَقْوَاتٌ ويقال : ما عِنْده قوتُ ليلةٍ ، وقِيتُ لَيْلَةٍ ، وقِيتَةُ لَيْلَةٍ - لمَّا كُسِرَتِ القَاف صارت الواو ياءً - وهي البُلْغَة ، وفي الحديث : " اللّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً " أَي بقدر ما يُمْسِك الرَّمَقَ من المَطْعَمِ ، وفي حديث الدُّعَاءِ : " وجَعَلَ لِكُلٍّ منهم قِيتَةً مَقْسُومَةً من رِزْقهِ " وهي فِعْلَة من القَوْتِ ، كِميتَةٍ من المَوْتِ . وَقَاتَهُم " يَقُوتُ " قَوْتاً " بالفتح ، وقال ابنُ سيده : قَاتَه ذلك قَوْتاً " وقُوتاً " بالضّمّ ، الأَخيرةُ عن سيبويه " وقِيَاتَةً بالكَسْرِ " ككِتَابَةٍ : عَالَهم ، وأَنا أَقُوتُه ، أَي أَعُولُه برزْقٍ قَليل ، وقُتُّهُم " فاقْتَاتُوا " ، كما تَقُول : رَزَقْتُه فارْتَزَقَ ، وفي الحَديث : " كَفَى بالمَرْءِ إِثْماً أَن يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ " أَرادَ من تَلزمهُ نَفَقَتُه من أَهْله وعِيَاله وَعَبيده ، ويُرْوى " مَنْ يَقِيتُه " ( 4 ) على اللُّغَة الأُخرى

--> ( 1 ) في فتح الباري ( كتاب الوتر - ح 1004 ) : الرايح القنية . ( 2 ) هذا ضبط القاموس واللسان . ( 3 ) أي سكت وانقادت . ( 4 ) في التهذيب والنهاية : " يقيت " وفي اللسان : يقيت .